الصالحي الشامي

248

سبل الهدى والرشاد

لا يظلمون ولا يظلمون ) وكان في البيت لغط فنكل عمر فرفضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروى الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم - وبقية رجاله ثقات - عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتف فقال : ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعدي فأخذ من عنده من الناس وفي لفظ : ( فقالت امرأة ممن حضر ويحكم عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكم فقال بعض القوم اسكتي فإنه لا عقل لك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنتم لا أحلام لكم . وروى الإمام أحمد وابن سعد - وفي سنده ضعف - عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن آتيه بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي من بعدي قال : فخشيت أن تسبقني نفسه قال : قلت إني أحفظ وأوعى قال : أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ) . تنبيهات الأول : قال البيهقي والذهبي : وإنما أراد عمر التخفيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه شديد الوجع لعلمه أن تبارك وتعالى قد أكمل ديننا ، ولو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما أخل به لاختلافهم ولغطهم لقول الله تعالى : ( بلغ ما أنزل إليك من ربك ) [ المائدة : 67 ] كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه ، وإنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله ، أن يكتب استخلاف أبي بكر ، ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير الله تعالى ، كما هم به في ابتداء مرضه حين قال : ( وا رأساه ) . ثم بدا له أن لا يكتب ثم قال : ( يأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) ثم نبه أمته على خلافته باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها ( 1 ) ، وبسط البيهقي الكلام في ذلك .

--> ( 1 ) وتكملة كلام البيهقي : ( وإن كان المراد به رفع الخلاف في الدين ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علم أن الله تعالى قد أكمل دينه بقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم . . ) وعلم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة ، إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم - بيانها نصا أو دلالة . وفي نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جميع ذلك في مرض موته ، مع شدة وعكه ، مما يشق عليه ، فرأى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الاقتصار على ما سبق بيانه نصا ، أو دلالة ، تخفيفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكي لا تزول فضيلة أهل العلم بالاجتهاد في الاستنباط ، وإلحاق الفروع بالأصول ، بما دل الكتاب والسنة عليه . وفيما سبق من قوله - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد الحاكم فأصاب ، فله أجران . وإذا اجتهد فأخطأ ، فله أجر واحد دليل على أنه وكل بيان بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء ، وأنه أحرز من أصاب منهم الأجرين الموعودين ، أحدهما بالاجتهاد ، والآخر بإصابة العين المطلوبة بما عليها من الدلالة في الكتاب أو السنة ، وإنه أحرز من اجتهد ، فأخطأ أجرا واحدا باجتهاده ، ورفع اثم الخطأ عنه ، وذلك في أحكام الشريعة التي لم يأت بيانها نصا ، وإنما ورد خفيا . فأما مسائل الأصول ، فقد ورد بيانها جليا ، فلا عذر لمن خالف بيانه لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد ، وإلحاق الفروع بالأصول ، بالدلالة ، مع طلب التخفيف على صاحب الشريعة ، وفي ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإنكار عليه فيما قال واضح على استصوابه رأيه ، وبالله التوفيق ) .